آراء وكتاب

النائبة أميرة أبو شقة تكتب: سبوبة!

كتب: النائبة أميرة بهاء الدين أبو شقة

من الكلمات الشعبية الرائجة خلال العقود الأخيرة، كلمة «سبوبة»، التي لم تعد مجرد لفظ دارج، بل توصيفٌ دقيقٌ لحالة اجتماعية واقتصادية، تسللت بهدوء في قاموسنا اليومي، حتى صارت نمطًا نعيشه، ومنهاجًا «غير مكتوب»، يُدار به كثير من شؤون الحياة.

بكل أسف، حين يُعاد تعريف «الذكاء» على أنه قُدرة على الالتفاف، ويُختزل «النجاح» في حجم ما يمكن اقتناصه من ثغرات، يصبح كل شيء قابلًا لأن يتحول إلى «سبوبة»، وبالتالي أصبح كل شيء حولنا، في كافة المجالات تقريبًا، وعلى مستوى معظم المؤسسات والأفراد، يدور فى فلك «السبوبة» و«الاسترزاق»، ولو على حساب القواعد والقِيَم والقوانين.. وحتى الأخلاق!

لعل أشهر «السبابيب» في السنوات الأخيرة، وأكثر التصاقًا بحياة الناس اليومية، ما تمخضَّ عنه ذكاء بعض «الجهابذة» لـ«العكننة» على حياة الناس، من خلال تبديل العدَّادات القديمة، بعدادات جديدة مسبقة الدفع، للمياه والكهرباء والغاز، وبالتالي لم يعد العدَّاد مجرد وسيلة لقياس الاستهلاك، بل «سبوبة» للجباية المبكرة.

بالطبع لم تتوقف تلك «السبابيب» عنذ هذا الحدِّ، لتبرز «السبوبة» الرقمية، أو «الديجيتال»، التي تفوقت مبكرًا على ما سبقها، لإغراء «الزبون»، بعروض «جذابة»، وتتعلق بـ«راوتر الإنترنت»، وجميع خدمات الاتصالات وباقات المكالمات، لتتحول لاحقًا إلى سلسلة من الرسوم!

ربما نجد المشهد أكثر تعقيدًا، وأشد التصاقًا بهذه الفلسفة، حيث نجد لجانًا تُشكَّل، وهيئات تُستحدث، ومجالس تُعقد، وكلها في ظاهرها أدوات تنظيمية، لكنها في باطنها قد تتحول إلى ممارسات ممنهَجَة، أو ما يُعرف بـ«السبوبة المؤسسية»، بإجراءات روتينية مملة وغير ضرورية، لجمع رسوم إضافية!

اللافت أن هذه الثقافة لم تعد حِكرًا على مستويات بعينها، بل تسربت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وباتت جزءًا من سلوك الأفراد، فالمواطن الذي يشتكي من «السبوبة» في المرافق، قد لا يجد حرجًا في ممارستها حين تسنح له الفرصة، والموظف الصغير يبحث عن «مصلحة تمشي الدنيا»، وصاحب الخدمة يحاول «يزوِّد من تحت لتحت»، والزبون نفسه قد يلجأ إلى «تظبيط الأمور»، إذا كان ذلك سيختصر عليه الطريق، وهكذا تتحول «السبوبة» إلى ما يُسمى بـ«الفهلوة» أو «الشطارة»!

أما «الاستثمارات» في المشروعات السكنية الفاخرة، فقد تحولت إلى «سبوبة مُقَنَّعة» أكثر منها نشاطًا اقتصاديًّا مُنتجًا، حيث يُعاد تدوير الامتيازات لا خَلْقًا للقيمة.. مطوِّرون يحصلون على أراضٍ شبه مجانية، وتسهيلات مرافق مدعومة، ثم يموِّلون مشروعاتهم بقروض مصرفية ضخمة، لبيع وحدات بأسعار فلكية لا تعكس التكلفة الحقيقية، بقدر ما تعكس احتكارًا منظَّمًا للسوق.

نتيجة تلك «السبوبة» ليست تنمية عمرانية متوازنة، بل فقاعة عقارية تُثقل كاهل النظام المالي وتُقصي الغالبية عن حق السكن، بينما تُوجَّه الموارد العامة لخدمة قلة قادرة على المضاربة لا الإنتاج، وهذا النموذج لا يبني اقتصادًا، بل يُعيد توزيع المخاطر على المجتمع، ويحتكر الأرباح في يد القادرين على النفاد إلى السلطة والتمويل.

الملاحظ أنه خلال السنوات الأخيرة تكاثرت «السبابيب» في جميع المجالات تقريبًا، ولم تخل منها الساحات الفنية والدينية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والطبية، لكن أخطرها تلك التي تتعلق بمستقبل الأجيال القادمة، حيث باتت المنظومة التعليمية «سبوبة» للتجارة بالعقول والأدمغة!

بالطبع لا يمكن إغفال إسهام الضغوط الاقتصادية في تغذية هذا النمط المؤسف من «السبابيب»، حين يضيق الدَّخل وتتزايد المتطلبات، فتصبح «الفهلوة» أداة للبقاء في نظر الكثيرين، وتتحول «السبوبة» إلى تعويض غير رسمي عن خلل رسمي، لكن هذه المعادلة ـ وإن بدت مفهومة ـ فإنها تحمل في طياتها خطرًا أكبر، وهو تعميم الاستثناء حتى يصبح قاعدة.

أخيرًا.. نتصور أن الأثر الأعمق والأخطر لمنظومة «السبابيب»، لا يظهر فقط في الأرقام أو الخدمات، بل في تآكل الثقة، حين يشعر المواطن أن كل إجراء قد يُخفي وراءه «سبوبة»، وأن كل خدمة مهما كانت بسيطة، تحتاج إلى «فهلوة»، حتى لو تفاجأ المواطن بأمر إيجابي، لن يصدق ما يراه بعينيه، ليكون لسان حاله: «الحِدَّاية مش بترمي كتاكيت».